السيد عبد الأعلى السبزواري
17
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
أقول : المراد من صدر الرواية أنّه تعالى ألزم على نفسه حسب إرادته أن يجعل المؤمن الواقعي رفيقا لتلك الطوائف في الجنّة ، وذلك من باب ترتّب المسبّب على السبب ، والرواية من باب ذكر أجلى المصاديق وأكملها . بحث عرفاني المراد من الطاعة - الّتي هي الوسيلة للوصول إلى الدرجات الرفيعة السامية والأفق القريب منه جلّ شأنه ، وهي الّتي أكّدت عليها الآيات الشريفة ودعى إليها الأنبياء والأولياء بألسنة مختلفة واهتمّوا بها ؛ لأنّها المبعث لتكريم الإنسان ونيله أشرف المراتب وأجلّ المقامات ، وهي الانقياد الكامل والامتثال مع الإخلاص لجلب رضا الحقّ وترك ما سواه . ولها مراتب كثيرة - بل متفاوتة - حسب إخلاص العبد ومقام العبوديّة ، بل حسب درجات الحبّ والمحبّة له جلّت عظمته ، ففي الأثر : « إنّ اللّه تعالى أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات » . فأعلى مراتبها قتل النفس في الحقيقة وقمع هواها الّتي هي حياتها ، قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ سورة الشمس ، الآية : 9 - 10 ] ، وبالخروج عن عالم المادّة . ومن مراتبها تسليم النفس إليه تعالى ودوام المراقبة لها ، كما ورد ذلك في روايات مستفيضة عن المعصومين عليهم السّلام وفي الدعوات المأثورة عنهم ، وفي الأثر : « كنّا في طريق مكّة ، فإذا بشاب قائم في ليله يناجي ربّه ويقول : يا من شوقي إليه ، وقلبي محبّ له ، ونفسي له خادم ، وكلّي فناء في إراداتك ومشيئتك ، فأنت ولا غيرك ، متى تنجيني - إلى آخره - قلت له : رحمك اللّه ، ما علامة حبّه ؟ قال : اشتهاء لقائه . قلت : فما علامة المشتاق ؟ قال : ليس له قرار ولا سكون في ليل ولا نهار من شوقه إلى ربّه . قلت : فما علامة الفاني ؟ قال : لا يعرف الصديق من العدو ، ولا الحلو من المرّ من فنائه عن رسمه وجسمه . قلت : فما علامة الخادم ؟ قال : إنّه يرفع قلبه وجوارحه وطعمه من ثواب